فخر الدين الرازي

276

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مصروفا إلى طاعة اللّه لا إلى معصيته ، فيكون السؤال واقعا عن الكل ، ويؤكده ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به » فكل النعيم من اللّه تعالى داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذا السؤال أين يكون ؟ فالقول الأول : أن هذا السؤال إنما يكون في موقف الحساب ، فإن قيل : هذا لا يستقيم ، لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن مشاهدة جهنم بقوله : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ وموقف السؤال متقدم على مشاهدة جهنم ؟ قلنا : المراد من قوله : ثُمَّ أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة وهو كقوله : فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ إلى قوله : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 13 - 17 ] . القول الثاني : أنهم إذا دخلوا النار سئلوا عن النعيم توبيخا لهم ، كما قال : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها [ الملك : 8 ] وقال : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [ المدثر : 42 ] ولا شك أن مجيء الرسول نعمة من اللّه ، فقد سئلوا عنه بعد دخولهم النار ، أو يقال : إنهم إذا صاروا في الجحيم وشاهدوها ، يقال لهم : إنما حل بكم هذا العذاب لأنكم في دار الدنيا اشتغلتم بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم من هذه النار ، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة الفائزين بالدرجات ، فيكون ذلك من الملائكة سؤالا عن نعيمهم في الدنيا ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .